عزف علي أوتار.. الزمن
كما أن الإحساس بالأضواء والألوان ليس له معني. إلا في وجود العيون المبصرة. كذلك فإن الإحساس بمرور الزمن. ليس له معني إلا إذ كانت هناك أحداث متتالية تميزه. وعندئذ نستطيع القول أن هذا الحدث قد وقع في الماضي. وأن ذاك يحدث الآن.
وغيره قد يحدث في المستقبل.. ومجرد تصور ماض وحاضر ومستقبل. هو الذي يوحي إلينا بمرور الزمن وكأنما هو ترتيب من أحداث متتابعة. تماماً كما نري الكون ترتيباً من أجرام سماوية تنتظم في فضائه.
تحدب الفضاء.. والزمكان
ويعتمد الزمن علي حركة الكون الدائبة. إذ أن كل ما في الكون يتحرك وإن بدا لنا ثابتاً. فإذا كان شخص ما واقفاً بالنسبة لك. إلا أنه يتحرك مع الأرض بالنسبة لشيء آخر في الكون. ولهذا فإن الحركة دليل الوجود.
فالإنسان يتحرك والذرة والجسيمات دون الذرية والإشعاعات والأرض والغلاف الجوي والقمر والشمس والمجموعة الشمسية والمجرات وعناقيد المجرات. كل شيء يتحرك بالنسبة لغيره.
ومادام كل شيء يتحرك. فلابد أن يحمل معه زمنه أي كلما تحرك وأسرع. كان عمره أطول بمعني أن زمنه الذي يسري معه يبطيء بالنسبة لما حوله من حركات أخري أو أزمنة متباينة. هذه في واقع الأمر نتيجة غريبة قد لا يعقلها الذهن البشري.. ذلك لأننا بطبيعة نشأتنا علي كوكب الأرض نقيس كل الأمور علي قدر ما تتقبله حواسنا "القاصرة".
والواقع ان النظرية النسبية العامة لأينشتين. لا تقتصر علي أحداثنا الأرضية وزمننا الأرضي. الذي يعتمد علي سرعة الشيء وانطلاقه. ولو فعلت لكانت نظرية قاصرة لا تعالج الموضوع ككل. ولهذا فإن ما يعنينا هنا في تحليلنا للزمن. هو فكرة اندماج الزمن والمكان "الزمكان" SPACETIME. لأننا نتعامل بالأبعاد الأربعة "الطول والعرض والارتفاع والزمن" وأيضاً لأننا نطبق فكرة أن الفضاء ينحني بجوار الكتل الكبيرة من المادة. وإحدي نتائج هذا التحدب CURVATURE هو انحراف ضوء النجم المار علي حافة الجرم. وقد تم قياسه أثناء الكسوف الكلي للشمس.
وحتي نستطيع أن نتعرف علي الطبيعة المثيرة للزمن. دعنا نتخيل أننا نسقط داخل ثقب أسود. إن أول ما ندركه عندما نهبط في أفق الحدث Event Horizon الحدود الخارجية للثقب الأسود هو أن هذا القبر الفضائي قد اختفي! وهذا يرجع إلي أن الضوء الذي يصدر عنه يكون قد توقف أو كاد.
وفي هذا الموقف قد لا ندرك أننا قد وقعنا فعلاً. داخل المصيدة الفضائية وحيدة الاتجاه. ذلك أنها أصبحت غير مرئية لنا. ولكن ما أن نتجاوز أفق الحدث حتي نجد في مركز الثقب الأسود "التفرد Singularity". عالماً مقلوباً رأساً علي عقب. عالماً من أغرب ما نتخيل ففيه يندمج الزمن مع المكان. ففي عالمنا العادي المألوف. يمكننا أن نتحرك بحرية وفي أي اتجاه في الفضاء. بشرط أن تتوافر لنا الطاقة.
أما الزمن فهو يسير دائماً في اتجاه واحد. وعلي الرغم من أنه يبطؤ بالقرب من سطح أفق الحدث. إلا أنه يسير أبداً إلي الأرقام. وهذا ينقلب تماماً داخل أفق الحدث. فهناك لا يكون لنا سيطرة علي الإطلاق علي رحلتنا. فنحن ننجذب بشكل مروع ودائم صوب مركز الثقب الأسود. ولا تسطيع أية قوة يمكن تخيلها أن تمنعنا من أن ننجذب أعمق فأعمق. إلي المصير المحتوم في مركز الثقب الأسود. حيث يختلط الوجود والعدم.
رحلة رهيبة.. داخل الثقب الأسود
وإذا أمكن تحرير الزمن من العوامل التي تتسبب في إبطائه بالقرب من أفق الحدث. لتمكنا من أن نجعل رحلتنا إلي مركز الثقب الأسود تدوم كما نريد!
ولكن كلاً منا يحمل معه زمنه الخاص وهو الذي يقاس بساعة دقيقة. وهي تتغير حتماً بقربها من أفق الحدث لثقب أسود. فالثانية في هذا المكان الرهيب. تعادل ملايين الثواني لمشاهد بعيد.
ونستطيع أن ندرك لم يبطيء الزمن قرب الثقب الأسود. إذا تأملنا ما يحدث للضوء عندما يحاول أن يهرب من فوق أفق الحدث. نعرف أن الضوء له طاقة. ومن ثم تؤثر عليه قوي الجاذبية كما يشاهد مثلاً عندما ينحني شعاع من الضوء حول جرم فضائي في طريقه. ولكي يهرب الضوء من سطح الثقب الأسود. عليه أن يبذل جهداً ليتغلب علي قوة الجاذبية الهائلة التي يتعرض لها. والتي تشده إلي أفق الحدث الغامض.
وعندما يتمكن الضوء أخيراً من الهروب من سطح الثقب الأسود. يكون قد فقد الكثير من طاقته السابقة. وحيث ان طاقة الضوء تتناسب مع ذبذبته. إذن فإن الضوء الذي يصل أخيراً إلي الخارج. تكون ذبذبته منخفضة جداً. ولو فرضنا أن كل وحدة ذبذبة من هذا الضوء منخفض الطاقة. قد استخدمت في تسيير آلات ساعة. لوضح لنا أن نسبة مرور هذا الزمن ستكون أكثر بطئاً. من ذلك الذي تحسبه ساعة مشابهة. ولكنها تستخدم ضوءاً من مصدر عادي. بحيث تبقي قوة ذبذبة الضوء كما هي.
وحيث ان الضوء لا يمكنه أن يهرب أبداً من داخل أفق الحدث. إذن سيكون من الصعب نسبة "الزمن" داخله إلي "الزمن الخارجي". علي الرغم من أنه يمكن حساب الزمن الذي يستغرقه جسم ما. وهو يندفع هابطاً إلي مركز الثقب الأسود. وحسابنا لزمن الهبوط يعتمد علي "حجم" الثقب الأسود. فكلما كبر الحجم طال زمن الهبوط. ومن ثم فإذا كنا سنسقط في ثقب أسود. فلا شك أننا سنندفع إلي مركزه بعد انقضاء فترة معينة طالت أو قصرت من الزمن. مهما حاولنا أن نهرب من هذا المصير المحتوم.
السفر.. عبر الزمن
وفي داخل الثقب الأسود. لا يمكن أبداً تفادي الفناء التام ولا حتي تأجيله إلي ما بعد فترة من الزمن. لأن الوقت الذي يستغرقه السقوط إلي المركز في داخل الثقب الأسود الصغير أكبر قليلاً من ضعف كتلة الشمس يبلغ حوالي واحد علي مليون من الثانية الواحدة. وعند مراقبة ثقب أسود أكبر حجماً بكثير من هذا الثقب الأسود الصغير. يمكن تسجيل وقت جدير بالملاحظة. بين السقوط في أفق الحدث وحتي التدمير التام عند المركز. ففي ثقب أسود أثقل مليون مرة من الشمس. فإن زمن السقوط يستغرق حوالي ثلاث ساعات.
ويجب أن نذكر ان الزمن الذي نتحدث عنه. أينما كان سواء هنا علي كوكب الأرض أو عندما نهبط مندفعين لنلقي حتفنا داخل عمق الثقب الأسود. إنما هو زمننا المناسب Proper Time الذي نقيسه بساعة يد نحملها معنا.
ومن الضروري التأكيد علي هذا. طالما أنه ليس من الصواب أن نتحدث عن "الزمن" دون أن نتبين كيفية قياسه. وهذا التحديد الإضافي ضروري داخل الثقب الأسود حيث يندمج هناك الزمن بالمكان.
وقد نحاول استخدام نفس الفكرة الخاصة بالزمن. كتلك المتعارف عليها خارج أفق الحدث بمسافة بعيدة. وعندئذ نجد ونحن نسقط صوب الثقب الأسود أن الزمن يزداد دون حدود. وإذا لاحظنا الساعات البعيدة جداً لبدت لنا أنها تسير أسرع. وإذا اقتربنا من أفق الحدث نلاحظ أنها تبطيء من حركتها. حتي تبدو وكأنها لا تتحرك مطلقاً.
وخلال مرورنا عبر أفق الحدث واقترابنا من المركز. تنقلب عقارب الساعة إلي الاتجاه العكسي وكأننا نسير إلي الخلف من الزمن. أي أن الزمن بدلاً من أن يتقدم إلي الأمام يتراجع إلي الخلف. وكأننا داخل آلة الزمن!
منقول من أحد الجلات العلمية للإفادة ,,