مرررررحباا
القصه منقووله
حاولت أن تنهي كل شيئ بسرعة, بعد ذهاب الأطفال للمدرسة والزوج للعمل, غسلت الصحون ونظفت المطبخ, وبعدها أسرعت الى غرف الصغار لتلم كل الاشياء المترامية فوق أرضية الغرف. فقد تعودت على أن تمنح غرفهم الكثير من الوقت والاهتمام, وكام كان زوجها يتضايق من اهتمامها الزائد هذا. تنهدت بعمق وجلست على حافة سرير صغيرها, حاولت أن تحبس تلك الدمعة من جديد, لا هذه المرة لن تسمح لمشاعرها بأن تخونها, كفاها جرح الزمن وندبات قلبها.
جلست على الكرسي واسترخت كليا, لامست مفاتيح اللوحة بلطف, أغمضت عينيها لحظات, وحاولت أن تستنشق نفسه أو عطره بهذا المكان.
فتحت الجهاز وبدأت تخطط تلك السطور بكل دقة وعناية ككل صباح, لتختمها بقبلة على جبينه, فتغلق الجهاز وتسرع للمطبخ لاعداد طعام الغذاء, وخاصة تحضير وجباته التي يعشقها.
حين جلست في زاوية المطبخ الكبير تنهدت بعمق وسرحت بذاكرتها الى الماضي البعيد, حين تزوج بها بعد قصة حب جميلة. كانت تنتظر زيارته لأخيها بشوق عارم, وكانت دموعها تسبقها كلما رأت طيفه مقبل على مزرعتهم البعيدة عن المدينة. مع مرور الأيام انتبه لتلك النظرات الحالمة والمشتاقة, رسم ابتسامة جميلة على محياه, وحاول ألا يرتبك, فهو رجل وهي فتاة فلن تنقلب الأدوار هنا.
مع مرور الايام والشهور اصبحت تلك النظرات ابتسامات وبعض العبارات, وكانت هذه كفاية لتروي بها قلبها العاشق الولهان, لكنه لم يكن يكتفي بكل هذا فقد اصبح حبه وعشقه كل شغله الشاغل. خطبها من صديقه الوحيد وهو بدوره أخبر والده, بارك الأهل هذا الزواج وأزفوها اليه في غضون أسابيع.
عندما اصبحا معا نسيا كل من حولهما من بشر, حتى هو نسي صداقته لصديقه واكتفى بحبها له, وهي استغنت عن كل العالم والدنيا من أجل اسعاده, ومن أجل أن تحقق تلك السعادة التي كان ينشدها, أن تنسيه سنوات الحرمان من حضن أمه, وأن تجعله أسعد زوج وأغلى حبيب, وتمر السنين سريعا, فيرزقا بابنهما البكر شادي, وبعد سنة واحدة يقبل عليهما الصغير المدلل فادي, فكان هو سعيدا بأسرته وباهتمام زوجته بأسرتها, وقد كانت سعادته تتزايد حين يسمع أن زوجات أصدقاءه يهملن أطفالهن من أجل تحقيق أحلامهن أو طموحاتهن.
بعد سنتين رزقا بطفلة سموها آية, ومع مرور السنوات بدأ يشعر بشيئ يتغير بداخله, أصبح يعرف معنى الوحدة, أصبحت حرارة حب زوجته منطفية, فكم مرة دخل بيته ليجدها قد نامت بأحد غرف الأطفال, من شدة الارهاق والتعب. حاول أن يسترجعها كزوجة وكحبيبة الى صفه, عرض عليها أن يجلب لها خادمة لمساعدتها, فرفضت بقوة أن تخدم غريبة زوجها وأولادها.
مع مرور الوقت مل من الالحاح والتوسل اليها, استسلم للأمر الواقع, واكتفى بذلك الوقت الضئيل الذي تمنحه له زوجته وأم أولاده. وراح يعمل في أوقات متأخرة حتى يتعب ويستطيع النوم.
كانت هي منشغلة بطلبات الأطفال ومساعدتهم في واجباتهم المدرسية, تناست أنها مازالت زوجة وحبيبة واكتفتت بدور الأم والمربية.
تنهدت بعمق وهي تتذكر تلك الليلة, استيقضت في وقت متأخر من الليل, كانت تنام في غرفة ابنتها, غادرت الغرفة في هدوء وقبل أن تدخل غرفتها انتبهت أن غرفة المكتب مضاءة, فتسللت على اطراف اصابع قدميها حتى تفاجئ زوجها بقبلة على خده, فتحت الباب بهدوء تام.
وقفت تحدق فيه مستغربة, فقد كان متكأ على لوحة الحاسوب فقد اصابه الارهاق من العمل المتواصل ولم يشعر حتى نام كليا, شعرت برغبة في ملامسة شعره. تقدمت نحوه وعيناها لا تفارقاه لحظة, عندما اقتربت منه أكثر توقفت فجأة. أصيبت بصدمة, شلت كل جسدها وتفكيرها, وشعرت برغبة في الصراخ والبكاء, لكنها تابعت محتوى تلك السطور بعناية, فقط شعرت برغبة أن تعرف مع من يسهر حبيبها وزوجها.
عادت الى غرفتها والألم يعصف بفؤادها وقلبها ينزف دما, وكم حاولت أن تبكي فاستعصى عليها الدمع, جلست في سريرها تتذكر كل الماضي , تتذكر آخر مرة شعرت بحبه وحنانه, آخر مرة شعرت بلمسته توقظ أنوثتها المنسية, فاستعصت عليها الذكريات. لم تجد هناك لحظات عاطفية منذ أكثر من ثلاث سنوات, لم تتذكر آخر مرة أهداها قصيدة شعرية أو سمعها أغنية جميلة.
تنهدت بعمق واسترجعت شريط حياتها من جديد, وركزت على مافعلته من أجله, فعلت الكثير لاسعاده, وهبت له روحها وحياتها كلها, وبعده وهبت له أطفال بصحة جيدة, وماذا بعد؟؟!
توقفت لتتنهد بعمق أكثر واتجهت صوب النافذة, لتطل على حديقة البيت, تذكرت كيف أنها تناست دورها كتلك الحبيبة وكيف أنها لم تفي بوعودها له, حين وعدته أنها لن تستسلم للحياة كي تجرفها في طياتها, وأن حبها سيظل قويا يدفئ لياليه الشتوية, ويزرع الامل والحنان في طريقه, ....آه كم نسيت نفسها وجرفها تيار الحياة!!!
سمعت صوت السيارة بالخارج, كانت قد ارتدت ملابسها وانتهت من زينتها, وأسرعت تفتح لهم الباب وتستقبلهم بابتساامتها الجميلة, شعرت بنظراته تحرق جسدها, فشعرت بالخجل وأسرعت تحمل شنط الأطفال. أدارت جسدها لتدخل البيت حين شعرت بلمسة يده على كتفيها, شعرت بالارتباك كطفلة صغيرة, حاولت أن لا تنظر اليه لكنه كان اسرع منها وطبع قبلة سريعة على خدها.
بعد تناولهم الغذاء تركت الأطفال يلعبون في حديقة البيت قبل عودتهم الى المدرسة, واصطحبت زوجها الى الطابق العلوي, حاولت ان تتهرب من نظراته, وأن تجهز له السرير حتى يستريح قليلا, لكنه فاجئها عندما أمسك بيديها. أصبحت كطفلة تخاف مواجهة نظرة عيونه, بارتباك شديد نظرت اليه, كان يحدق في عينيها بطريقة غريبة, ارتعشت, ارتجفت لكنها لم تقوى على ابعاد عينيها من تلك النظرات.
أجلسها على حافة السرير وطلب منها أن تنتظره, غادر الغرفة مسرعا نحو الطابق الارضي, سمعت صوت محرك السيارة بالحديقة, لكنها ظلت بدون حراك, شل تفكيرها وكما شلت حركتها, وماهي الا لحظات حتى أتى مسرعا وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه.
ركع الى جانبها وحاول أن يبتسم رغم تلاحق أنفاسه, أمسك بيديها واقترب بشفتيه منهما وطبع قبلة طويلة عليهما. حدق بعيونها طويلا قبل أن يمسك بيدها ويسحبها معه الى غرفة المكتب, يمسك بكتفيها ويجلسها على الكرسي. شعرت بالخوف يتسرب الى أعماقها بقوة, شعرت برغبة في الهروب, لكنه شعر بها فأطبق بكلتا يديه على كتفها, وأمرها بفتح الجهاز.
تذكرت الأطفال, فأمرها من جديد بحسم وقوة, فلم تجد أمامها سوى أن تسمع كلامه للآخر, فهي تعرفه قبل اليوم, وتعرف كم هو عنيد ان اراد الحصول على شيئ ما. فتحت الجهاز وأمرها بفتح الايميل, فارتبكت يداها على لوحة المفاتيح, لكنه أمسك باللوحة وفتح الايميل وبكل دقة ظغط على حروف ليتعطيه كلمة السر. وراح يحدق في رسائله الغرامية اليها, وبعدها فتح ايميله الخاص ليتفحص رسائلها بصمت.
حاولت أن تهرب من المكان, أن تسرع الى غرفتها, لكنه أمسك بذراعيها وأدراها نحوه, أصبحت في مواجهته وجه لوجه.
كان الغضب يملئ قسمات وجهه, وراح يحدق في عينيها وهي تزداد ارتجافا وارتعاشا من لمستها المؤلمة ومن نظراتها القاسية.
" هل كان حبك لي بحاجة الى الانترنت زوجتي العزيزة؟؟!"
لم تتمالك نفسها فشعرت من جديد بذلك الغضب والالم بداخلها, فلن تعد تتحمل السيطرة عليه, فصرخت بوجهه:
" لأن حبك انطفئ من أول لحظة غبت فيها عنك, لأنك أطفأت الشموع , لتشعلها لغيري, لكي تسطر كلماتك لغيري, ولتحلم بغيري, ولتتخيل أنوثة أنثى غير أنوثتي.."
" لماذا لم تعترفي..لماذا لم تصرخي..لماذا لم تتهميني بالخيانة؟!!"
"لأنك لم تبدا الخيانة..لأنني أذنبت بحقك كزوجة..لأنني منحتك كل الفرص لتخونني..لأنني...لا أريد أن أخسرك حبيبي"
" لا تريدين أن تخسريني؟؟!... وتلجئين الى عالم النت لاسترجاع حبي لكي؟؟!"
شعرت بالندم لما أقدمت عليه, تمنت لو أن كل شيئ يعود الى ماكان عليه, لا تريد غير كسب رضاء وحبه من جديد, لا تريد أن تكون أما, ولا أختا, ولكنها تريده هو فقط.
" أتعلمين.. أيتها المجنونة.. أنني أحبك وبقوة"
لم تكن تدرك هل يتلاعب بعواطفها أم أنه يريد تعذيبها قبل أن يطردها من حياته, لكنها وقفت تحدق في عينيه لمحاولة اكتشاف أعماقهما.
" تعالي ايتها المجنونة.. انظري وتحققي من تلك الرسائل جيدا.."
لم تفهم مايرمي اليه بكلامه, فوقفت تحدق في السطور والألم يذبح قلبها, حين فتح ايميلا جديدا ورأت أنه عنوان عشيقته التي يرسل لها رسائله الغرامية, فوقفت تحدق بكل شيئ وهي تشعر بصدمة تلو الاخرى.
كان الايميل باسمها هي, وكان زوجها يرسل رسائله تلك اليها بدون أن تعلم عنها شيئ, شعرت بالدموع تنحدر على خديها, وبجسدها يرتعش كليا.
" حبيبتي.. عندما توصلت بايميل غريب استغربت.. وخاصة أنك تقولين أنك تعرفينني جيدا.. وبعد أن سايرتك لوقت اكتشفت أنك تعرفينني أكثر من نفسي.. هنا فقط تركت نفسك وحبك يفضحك..فليس هناك مخلوق يشعر بي كما كنت تشعرين أنتي بي"
أمسك بمنديل ورقي وراح يجفف دموعها وهو يحدق بعينيها, وفجأة تذكرت الأطفال, فحاولت أن تفك نفسها من بين يديه, لكنه حملها بين يديه قائلا:
" اليوم يومي وليس يوم حقوق الطفل عزيزتي.."
" ولكن.."
" لقد وصلتهم الى بيت أختي.. وهم سيمكثون هناك الليلة مع وليد وروان"
" لكن آية.."
لم تنهي كلامها لأن نظرته الغاضبة أسكتتها على الفور.