القراصنة
1- عودة
ارتفع صفير الباخرة السياحية الأنيقة (نوت)، وهي تعلن استعدادها للإبحار، من مطار (ليما سول) في (قبرص)، وبدا قبطانها هادئاً كعادته، وهو يسأل مهندسها الأوَّل في اهتمام:
- هل وصل جميع الركاب؟!
راجع المهندس التقرير أمامه، قبل أن يجيب:
- ليس بعد.. مازلنا ننتظر شيخاً يونانياً، يرغب في الاستــشفاء في (مصر)، ومسئولاً مصرياً، أبلغتنا السفارة أنه في طريقه إلى هنا، وأنه سيتأخر قليلاً، بسبب اجتماعه برئيس الوزراء، قبل عودته إلى (مصر).
مطَّ القبطان شفتيه، وغمغم مستنكراً:
- كم أبغض التأخير.
ابتسم المهندس، قائلاً:
- كلنا نبغضه يا سيدي، ولكن الظروف طارئة هذه المرة، ومن واجبنا أن ننتظر مسئولنا.
مطَّ القبطان شفتيه مرة أخرى، ثم شد قامته، متسائلاً في صرامة:
- وماذا عن ذلك الشيخ؟!
مع آخر حروف عبارته، تناهى إلى مسامعهما دوي أبواق سيارة إسعاف تقترب عبر الميناء، فابتسم المهندس مرة أخرى، قائلاً:
- ها هو ذا.
كان من الواضح أنه شيخ طاعن في السن للغاية، إذ توقفت به سيارة الإسعاف عند سلم الباخرة مباشرة، وتعاون اثنان من المسعفين على حمل محفته إلى السطح، وتبعهما طبيبه الخاص، ومدير أعماله، والشخص المسئول عن رعايته والعناية به طوال الرحلة..
وفى دهشة، رفع القبطان حاجبيه، قائلاً:
- رباه!.. تسع حقائب دفعة واحدة.. هل يرغب هذا الشيخ في الاستشفاء في (مصر) فحسب، أم أنه ينوي الإقامة بها للأبد؟!
هزَّ المهندس رأسه، قائلاً:
الرجل يعاني من مرض مزمن في عظامه، ويحتاج إلى أدوات كثيرة لرعايته والعناية به.
غمغم القبطان مستنكراً:
- في تسع حقائب؟!
ضحك المهندس، مجيباً،
- إنها تحوي مقعده المتحرِّك، وأسطوانة أكسجين للطوارئ، وجهاز للتنفس الصناعي، وأدوات أخرى عديدة.
قال القبطان في غضب:
- أليست لدينا وحدة إسعاف طبية كاملة هنا؟!
هزَّ المهندس كتفيه، قائلاً:
- الرجل كمعظم الشيوخ، لا يثق إلا في أدواته ومعاونيه.
مطَّ القبطان شفتيه للمرة الثالثة، مغمغماً في حنق:
- ينبغي أن يسنوا قوانين لمنع هذه السخافات في المستقبل.
ضحك المهندس، قائلاً:
- ربما في الثمانينيات؛ فالعالم يتغيَّر في كل يوم.
انتهى حوارهما عند هذه النقطة، مع وصول المسئول المصري، وذهاب القبطان لاستقباله بنفسه، في حين أطلق المهندس صافرة الباخرة مرة أخرى، وهو يقول:
- سنقلع فوراً.. لدينا اثنتا عشرة دقيقة من التأخير.
وبدأت الرحلة..
"كل شيء على ما يرام أيها الزعيم.."
نطق رجل ضخم، غليظ الملامح العبارة، وهو يقف على متن يخت أنيق، يرفع علماً فرنسياً، في منتصف البحر الأبيض المتوسط، فأدار إليه رجل وسيم عينيه، وسأله في برود:
- هل أصبح الجميع على سطح الباخرة؟!
أومأ الضخم برأسه، مجيباً:
- كل الأفراد، وكل الأسلحة أيها الزعيم.
التقط الوسيم نفساً عميقاً، وأغلق عينيه لحظة في استمتاع، قبل أن يعاود فتحهما، وهو يقول في حزم:
- فلنستعد إذا؛ للقائهم في نقطة الصفر.
قال الضخم، وهو يبتعد في سرعة، لتنفيذ الأوامر:
- كما تأمر أيها الزعيم.
رفع الوسيم كأسه، وكأنما يحييه على طاعته، في نفس اللحظة التي خرجت فيها حسناء شقراء، من داخل اليخت، وسألته في صرامة:
- هل نفذوا الشق الأوَّل؟!
هزَّ كتفيه، في شيء من الاستهتار، وهو يجيب:
- من الواضح أن المصريين أبسط مما كنا نتصوَّر؛ فكل أسلحتنا الآن على متن الباخرة، والرجال ينتظرون ساعة الصفر، لبدء المهمة فوراً.
بدت عصبية نوعاً ما، وهي تشعل سيجارتها، وتنفث دخانها مع هواء البحر، قبل أن تقول:
- أتعشم أن يكونوا قد حفظوا الخطوات عن ظهر قلب؛ فأي خلل في التنفيذ قد يفسد العملية كلها.
ارتشف الوسيم رشفة من كأسه، قائلاً:
- اطمئني يا عزيزتي.. لقد تدربوا على هذا طويلاً.
قالت بنفس العصبية:
- وفي كل مرة، كانوا يرتكبون الأخطاء.
أشار بسبَّابته، قائلا :
- إلا في المرات الثلاث الأخيرة.. لقد أتقنوا كل شيء.
غمغمت بنفس العصبية:
- أتعشم هذا.
ثم استندت إلى سور اليخت، وراحت تنفث دخان سيجارتها في عصبية، قبل أن تقول:
- لن يمكنني احتمال المزيد من الانتظار.. شقيقي في السجون المصرية منذ ما يقرب من عام، بتهمة سيقضي بسببها عمره كله خلف القضبان، وما نفعله الآن هو وسيلته الوحيدة للنجاة من هذا الجحيم.
ابتسم الوسيم بنفس البرود، ثم رفع كأسه، قائلاً:
- اطمئني يا عزيزتي.. اطمئني.. وثقي في صحة نجاح عمليتنا.
حاولت أن تبتسم مجاملة، إلا أنها عجزت تماماً عن هذا..
فكل ما كان يشغل ذهنها، في تلك اللحظة، هو تلك العملية..
عملية القرصنة..
القادمة..
* * *
ارتسمت ابتسامة باهتة، على شفتي طبيب الباخرة (نوت)، وهو يقول لذلك الطبيب، المصاحب للشيخ:
- أعلم أنه لم يشكُ من أي شيء منذ أقلعت الباخرة، وأنك توليه كل العناية والرعاية المطلوبتين، إلا أن النظم هنا تحتم قيامي بالكشف عليه بنفسي، وتحديد حالته الصحية، بعد يومين من الإبحار.
هزَّ الطبيب الآخر رأسه في صرامة، قائلاً:
- آسف.. السيد (كازانتيكس) لا يثق في طبيب آخر، ولن يسمح لك بوضع سماعتك على صدره، أو حتى قياس نبضه.
قال طبيب الباخرة في حزم:
- ولكنها القواعد.
هبَّ معاون الشيخ من مقعده، وهو يقول في صرامة:
- فلتذهب القواعد إلى الجحيم.. لن يمسه أحد منكم.
سعل الشيخ مرتين، بعد عبارة معاونه، فالتفت إليه المعاون في قلق، ثم تراجع منكمشاً، وكأنما تلقى أمراً صارماً بالصمت..
وكان من الطبيعي أن يلفت هذا انتباه الطبيب، الذي تساءل في حيرة:
- أهذا نوع من الاتصال أم ماذا؟!
أدار طبيب الشيخ عينيه إليه في صرامة، وهو يقول:
- من الواضح أنك تتمتع بذكاء جيد.
قال طبيب السفينة في حزم:
- الأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء.
ثم اتجه نحو فراش الشيخ، مستطرداً:
- وهو يحتم الكشف على رئيسك، لتحديد الـ...
قبل أن يبلغ الفراش، فوجئ بالشيخ يعتدل بحركة نشيطة، لا تتناسب قط مع هيئته وحالته، ويقول بصوت قوي واضح:
- لا فائدة.. إنه يشك في أمرنا.
تسمَّر الطبيب في مكانه، واتسعت عيناه في ذهول، وهو يحدِّق في الشيخ، الذي غادر فراشه بمنتهى الخفة، مستطرداً:
- ثم إنه لم يتبق سوى أربعين دقيقة، على ساعة الصفر.
شهق طبيب الباخرة، وهو يهتف:
- رباه.. من أنت؟
ثم أدار عينيه بذعر، في وجوه الجميع، قبل أن يهتف، مضيفاً:
- من أنتم؟
وهنا استل الطبيب المزيف، من بين طيات ثيابه مسدساً كبيراً، ألصقه بمؤخرة عنقه، وهو يقول:
- من المؤسف أن تلقي هذا السؤال؛ فليس له سوى جواب واحد.
قالها، وضغط زناد مسدسه، دون ذرة واحدة من التردُّد، فانطلقت رصاصته، تخترق رأس الطبيب، وتنسف مخه نسفاً.
ودون أن تحمل وجوههم أدنى انفعال، راقب الشيخ الزائف ورجاله جثة الطبيب المسكين، وهي تهوي في منتصف الحجرة كالحجر، ثم انتزع الشيخ قناعاً مطاطياً رقيقاً عن وجهه، وشدًَّ قامته في قوة، قائلاً:
- أظننا سنبدأ عمليتنا مبكراً يا رجال.
وبإشارة من يده، استعد القراصنة للهجوم..
الشامل.
إنتظروني فى الحلقة القادمة